على نفقتهما الخاصة صدر للكاتبين عبد الله حسين السادة وباسم عبود الياسري‚
كتاب مشترك‚ تحت عنوان : «المختصر الدقيق في فـــــن التحقيق»‚ واشتمل مائة
وخمسين صفحة‚ احتوت مقدمة ومدخلا إلى فن التحقيق‚ وعددا من الفصول هي :
التحقيق المعنى‚ والاصطلاح التحقيق فن عربي قديم‚ ونشأة التحقيق وتطوره ‚
والورق ومواد الكتابة‚ والورق والوراقة‚ وأدوات الكتابة‚ والخط العربي‚
ومصطلحات القدماء في الكتابة‚ وبنية المخطوط العربي‚ وتشكل ومناهج التحقيق
الحديث‚ وجهود المستشرقين‚ ومراحل تحقيق المخطوطات وضبطها‚ وخطوات التحقيق‚
المحقق يدون المخطوط‚ ومراجعة النص‚ وصفات المحقق‚ ودراسة المخطوط ومكملات
التحقيق‚ ومكملات معاصرة للتحقيق‚ وأخطاء ينبغي تصحيحها‚ وبيان بالمصادر
والمراجع ‚
وهذا الكتاب هو الاول من نوعه الذي يصدر في قطر‚ والمؤلفان هما من ذوي الخبرة
في هذا المجال‚ فعبدالله السادة باحث قطري في الانساب‚ وهو عضو اتحاد
المؤرخين العرب‚ وعضو الهيئة العربية لكتابة تاريخ الانساب‚ وعضو الجمعية
العامة للمجمع العلمي للسادة الاشراف‚ وقد سبق وان اصدر عددا من الكتب من
بينها : جهد المقلين في ذرية السبطين الشريفين‚ المشجر الكشاف لابن عميد
الدين النجفي ( تحقيق)‚ انتهاز الفرص في الصيد والقنص لابي عبد الله حمزة
الناشري ( تحقيق)‚ وله العديد من الاعمال التي ما زال يعمل على تحقيقها‚
أما باسم عبود الياسري فهو كاتب عراقي‚ حائز درجة الماجستير في الادب العربي‚
عضو اتحاد الادباء والكتاب العراقيين‚ له من الكتب : فضاء الرواية‚ اشعار اهل
اليمن‚ وتحت الطبع كتاب تجليات القص‚ ويكتب في العديد من الصحف والمجلات
العربية ‚
وفي مقدمة الكتاب يقدم عبود تصوره عن هذا العمل ويقول : ربما ليس في الغربة
من نفع بعد مغادرة الأوطان والبعد عن الخلان‚ إلا إذا وجد الإنسان فيها من
يرتاح إليه قلبه‚ وتسكن عنده روحه‚ ويطمئن معه فؤاده‚ وهو ما حدث معي حين
حللت في قطر والتقيت أخي الكريم السيد عبد الله حسين السادة‚ فوجدته باحثاً
صادقاً ‚ ومحققاً صبوراً‚ وشاعراً رقيقاً ‚ وعالماً بأنساب آل البيت‚ فحقق في
هذا المجال عدداً من الكتب المهمة‚ وهو ملم بتاريخه العربي الإسلامي ‚ وعارف
بالفقه الإسلامي ‚ كثير الاعجاب بلغته العربية‚ كيف لا وهو ابن الدوحة
الهاشمية‚ وقد اجتمعنا على هذه المحبة في التراث والتاريخ والدين فوجدنا أن
القارئ المعاصر قد انصرف عن هذا التراث الثر وانقطع عنه‚ وأدركنا أن العودة
الى التراث والنهل من نبعه بوعي كامل دون تبجيل وتعظيم هو الطريق الى أن يعرف
المرء قدر امته» ‚
ثم يذهب عبود الى سبب إصداره الكتب بالقول «تعج المكتبات العربية والاجنبية
العامة والخاصة بآلاف المخطوطات دون أن تحقق أو يعاد طبعها لتكون في متناول
القراء‚ ولما كان الطريق الى التحقيق ليس بالأمر اليسير لذا فنحن نحاول فتح
الطريق أمام الباحثين من خلال هذا الجهد المتواضع في تقديم كتابنا « المختصر
الدقيق في فن التحقيق» الذي حاولنا قدر الإمكان أن يكون جامعاً شاملاً دون أن
ندعي أنه لم يكتب قبله في هذا المجال» ‚
وفي المدخل إلى فن التحقيق يأخذنا الباحثان الى ما تركه العلماء العرب
والمسلمون من تراثنا‚ والمتمثل بالكم الكبير والهائل من المخطوطات في شتى
العلوم والآداب قبل ظهور الطباعة لتجعل الكتاب في متناول الجميع بعد تحقيقه‚
وبسبب قلة عدد النسخ وكثرة الراغبين في الاطلاع عليها كان الناس يلجأون إلى
نسخها عند الوراقين الذين اختصوا بهذا النوع من العمل حتى أصبح لهم في بغداد
سوقاً يسمى «سوق الوراقين» كان الجاحظ من أشهر من عملوا في هذه الاسواق‚ وبعد
ظهور الطباعة فإن الحاجة ازدادت إلى التحقيق لأن الرغبة في طباعة الكتب تفرض
على من يقوم بهذا العمل اللجوء إلى أصح النسخ للاعتماد عليها عند طباعة
الكتاب‚
ويرى الباحثان أن التحقيق هو العلم الذي يبحث في المخطوطات العربية ويهيئها
لطبعها وجعلها في متناول القراء‚ إذ يقوم على نقل النصوص المدونة باليد بنسخة
واحدة او عدد قليل من النسخ إلى عدد كبير من النسخ بعد تحويلها إلى كتاب
وطبعها‚ والتحقيق علم له أصوله وقواعده التي ينبغي الالتزام بها‚ تقف الأمانة
العلمية في مقدمتها‚ وينبغي على المحقق أن يكون أميناً في نقل ما هو موجود في
النص الأصلي مهما كان فيه من تعارض مع السائد العام أو أخطاء في اللغة أو في
التواريخ والحوادث‚ غير أن مهمة المحقق الجيد هي أن يوضح في هامش الكتاب
الجديد الذي يضم بين دفتيه النص القديم ما يراه صحيحاً وما يعتقده صائبا‚ فهو
على ما يعتقدان ـ أي المحقق ـ يضطلع بدور مهم حين يقيم تلك الصلة بين النص
العربي القديم والقارئ المعاصــر‚ وينقل القارئ إلى عالم المؤلف ويخلق
تفاعلاً من نوع خاص بين الطرفين :المؤلف القديم والقارئ المعاصر‚
من هنا فانه ينبغي ألا ينظر لعملية تحقيق النصوص على إنها عملية قراءة لنص
قديم حسب‚ ففي ذلك غبن لجهد الباحث‚ ذلك أن التحقيق يتعدى تلك المهمة كثيراً‚
فما دام هذا العمل وثيق الصلة بالأدب شأنه في ذلك شأن العالم والناقد والدارس
والصحفي والمترجم‚ فهو يعتبر جهد المحقق كبيرا لانه يسهم في إعادة اكتشاف
المخطوط وتقديمه وفض سره أمام القارئ مع المحافظة على مضمونه دون مساس به ‚
ويصنفان التحقيق الى نوعين هما : تحقيق تجاري وهو ما يقوم به بعض المحققين
والناشرين في البحث عن المخطوط الذي يحتوي على عنصر من عناصر الإثارة
والتشويق لدى القارئ‚ كما فعل بعض الناشرين حين نشروا كتبا تراثية تتحدث عن
الجنس‚ فهذه الكتب وإن كانت تعرض لجانب مهم من ثقافة ذلك العصر إلا أن
تحقيقها لم يكن لهذا الهدف‚ أما النوع الثاني فهو التحقيق العلمي الملتزم
بقواعد التحقيق‚ وفيه يبذل المحقق جهداً كبيراً ومتواصلاً من أجل إيصال مادة
المخطوط إلى القارئ بكل أمانة ودقة ‚
ويشير الباحثان الى أن المكتبات العربية والاجنبية تحفل بعشرات المخطوطات
التي لم يزح الغبار عنها‚ فظلت تلك المخطوطات حبيسة رفوف المكتبات محجوبة عن
القراء دون أن تمتد إليها يد البحث والتنقيب‚ ويريا أنه من الإنصاف هنا
الإشارة إلى جهود المستشرقين والمستعربين في هذا المجال‚ فرغم اختلاف دوافعهم
ومشاربهم واختصاصاتهم إلا إنهم كانوا اكثر اهتماماً منا بمخطوطاتنا العربية‚
لاحترامهم للعلم ولقيمة الكتاب القديم الذي يعد نافذة على عصر غاب عنا
وارتحل‚ وكذلك تطور طرق الحفظ عندهم‚ ودأبهم في هذا المجال‚ دون أن نبخس قدر
علمائنا الأجلاء في هذا المجال‚ فقد ظهر جيل من المحققين كانوا سباقين في
مجال التعامل مع المخطوطات‚ مثل أحمد أمين‚ إبراهيم السقا‚ عبد السلام هارون‚
محمود شاكر وغيرهم ‚
والملاحظ أن جهود التحقيق لم تستمر بالوتيرة نفسها التي كانت عليها على يد
أساتذة التحقيق الأوائل ‚ وكأن المعاصرين انصرفوا عن القديم وعده بعضهم شيئاً
غير ذي قيمة‚ بسبب اهتمام الناس بالحديث من الأدب فصار القديم مهملاً لا
اكتراث له‚ وهذا الإهمال له دوافعه منها ما هو سياسي ومنها ما يتعلق بالبحث
عن الجدة وعدم الالتفات إلى الماضي‚ أضف إلى ذلك غياب خطة صحيحة تقوم على
الاعتناء بالتراث وتصنيفه وتقديمه إلى القراء‚ وهو ما لا يستطيع الجهد الفردي
القيام به دون دعم من مؤسسة او جهة حكومية لما يكتنف هذه العملية من جهد
ومشقة‚ وهنا لابد من الإشارة إلى أن هناك بعض العواصم العربية اهتمت بالتراث
اهتماماً خاصاً كالقاهرة وبغداد ودمشق ‚
لقد برع العلماء العرب في مجالات شتى‚ وتحقيق هذه الجهود يعد وسيلة للتعرف
على أصول المعرفة ومستوى الثقافة التي كان عليها الاجداد‚ ومنذ دخول عصر
الطباعة تعرف جمهور القراء على نمط جديد من الكتب تلك التي طبعت بالمطابع
الحجرية بنسخ كثيرة العدد على غير ما تعود القراء عليه من اعتمادهم على تلك
الكتب المخطوطة باليد ذات النسخ القليلة‚ وعلى الرغم من بدائية تلك الطبعات
إلا أنها كانت تعد فتحاً جديداً في عالم المعرفة‚ فمن خلالها اتسعت رقعة
القراء وتنوعت موضوعاتها‚ فقد اطلع القراء بعد عصر الطباعة على كتب كانوا
يسمعون بها دون أن يروها‚ غير أن المؤلم في الأمر أن معظم كنوز التراث العربي
فقدت من مكتباتنا لتستقر في مكتبات الغرب‚ وهم والحق يقال اكثر عناية بهــا
منا ‚
إن المحققين فتحوا أفقاً رحباً للمعرفة من خلال ما حققوه من مخطوطات‚ فاطلعنا
على طريقة تفكير ونمط حياة الأجداد‚ وخلقوا تواصلاً بيننا وبينهم‚ فالكتاب
ناقل أمين لحياة الناس وأحوالهم في فترة تأليفه‚ ولنا أن نتصور لو أن ما حقق
من كتب لم يتم تحقيقه‚ لأصبح جهلنا بالحواضر العربية الإسلامية كجهلنا بتاريخ
المناطق التي لم يتم تحقيق مخطوطاتها للآن‚ لقد أتيح لنا الاطلاع على التراث
اليمني - على سبيل المثال - فوجدنا أن اليمن تمتلك ثروة كبيرة في هذا المجال‚
لم يحقق إلا عدد صغير منها‚ فالهمداني لوحده كتب عدداً من الكتب أحد هذه
الكتب هو (الإكليل) يقع في عشرة مجلدات لم يتم العثور إلا على أربع مجلدات
منه هي الأول والثاني والثامن والعاشر وقد تم تحقيقها ‚ وإذا ما علمنا أن
الجزء الأول لوحده زادت عدد صفحاته على ثلاثمائة صفحة‚ لتصورنا مقدار ما تركه
هذا الكاتب لوحده فضلاً عن كتب كثيرة أخرى كتبها هو وغيره‚
إن نظرة الناس إلى البقعة الجغرافية ستتغير حين يكتشفون ما لأبنائها من موروث
ثقافي‚ ومن هنا ينبغي العمل على الاهتمام بالتراث وإعطائه قيمة خاصة تقوم على
عدم إهماله بحجة الحداثة التي يرى البعض أنها تتعارض مع كل ما هو قديم‚ فلا
يجوز التمييز بين النص القديم والنص الحديث بطريقة معيارية ترجح أحدهما على
الآخر‚ والتسليم بنقص معلوماتنا بالتراث العربي _ الإسلامي‚ وقلة إدراكنا
لقيمة التراث الشفاهي في مختلف المناطق العربية‚ وبمختلف أشكال التعبير
واللغات الذي ما مازال ناقصا‚ وعندما نربط ذلك بما يتعلق بالأجيال الجديدة
نجد أن صلتهم بالتراث منقطعة أو انها ناقصة وسطحية في أفضل الظروف‚
ويتطلع الباحثان الى انه يجب أن لا يكون الاهتمام بالتراث على أساس
«الايجابي» و «السلبي»‚ وإنما الاقتراب منه بحيادية وإبراز كل جوانبه‚ وهذا
الوعي بالتراث نجده عند محبي التراث والمنصرفين عنه على حد سواء‚ إن معرفة
هذا التراث‚ من كافة جوانبه‚ وفي مختلف إبداعاته وتياراته هو الذي سيفتح
أمامنا نظرة صائبة لهذا التراث‚ أما الحكم عليه إيجابا وسلبا‚ فهو مرتبط
بالتعرف عليه ودراسته أولاً ‚ وليس بالتغني به أو رفضه مسبقاً ‚
ويعتبر الباحثان أنه يجب ان يكون التحقيق تحقيقياً منظماً لا يخضع لاعتبارات
فردية تقوم على اعتبارات خاصة‚ وإنما على خطة معدة سلفاً لتحقيق مجموعة
متنوعة من الكتب‚ وكما طالبا بأن يتم تشكيل مجاميع عمل جماعي تقوم على التخصص
وحب العمل بالتحقيق فهو من الأعمال التي تحتاج إلى الصبر والجلد ‚ وتضع هذه
المجاميع لنفسها جدولا للعمل‚ ونصوصا محددة تقوم بترتيبها‚ وتقوم بتحقيقها في
أوقات محددة‚
وفي باب التعريف الاصطلاحي للتحقيق يقول الباحثان أن التحقق من الشيء هو ضبطه
والتثبت منه‚ ويستعينالن بقول الزمخشري 538هـ في أساس البلاغة مادة حقق «قال
أبو زيد: حق الله الأمر حقاً: أثبته وأوجبه‚ وحق الأمر بنفسه حقاً وحقوقاً‚
وقال الكسائي: حققت ظنه مثل حققته‚ وحققت الأمر وأحققته: كنت على يقين منه‚
وحققت الخبر فأنا أحقه: وقفت على حقيقته‚ ويقول الرجل لأصحابه إذا بلغهم خبر
فلم يستيقنوه: أنا أحق لكم هذا الخبر‚ أي أعلمه لكم وأعرف حقيقته»‚ وهكذا فإن
هذا العلم يقوم على التأكد من صحة النص‚ غير أن التثبت هنا يقوم على ما مدون
من نصوص وليس على الشفاهي منه وهناك من يسميه تحقيق النصوص‚ وتحقيق
المخطوطات‚ وتحقيق التراث‚ فالأصل هو التحقيق أما الكلمات الأخرى فهي تدل
المادة المكتوبة التي هي بحاجة الى مراجعة وتفحص ‚
لم تكن كلمة « تحقيق « بمعناها المتداول اليوم معروفة عند العرب‚ ذلك أن هذا
المعنى إنما جاء ترجمة للكلمة الأنجليزية criticism وهي تعني «الفحص العلمي
للنصوص الأدبية من حيث مصدرها وصحة نصها‚ وإنشاؤها وصفاتها وتاريخها‚
وعن المخطوطات يقولان أنها جمع مخطوط وقد عرفه المعجم الوسيط بأنه المكتوب
بالخط لا بالمطبعة‚ والجمع مخطوطات.